تزايد الاهتمام بظاهرة الهجرة من الدول الفقيرة إلى الدول الغنية في الآونة الأخيرة, بسبب الحوادث المأسوية التي تتعرض لها القوارب التي تنقل المهاجرين غير الشرعيين إلى أوروبا عبر البحر الأبيض المتوسط، والتي يُطلق عليها قوارب الموت. ومما يوضح حجم المشكلة أنه بحلول عام 2015 ستصل نسبة المتقاعدين في أوروبا إلى 22% من عدد السكان، الأمر الذي يعني انخفاض أعداد الأيدي العاملة وسيكون لذلك بالطبع مشاكل اجتماعية واقتصادية ,
وما يزيد المشكلة تفاقما أنها تأتي في وقت يحتدم فيه الجدل حول أوضاع العرب والمسلمين في أوروبا، ويتداخل فيه مع القلق بسبب ما يطلقون عليه "الإرهاب العربي وإلا سلامي"، كما يتداخل أيضا مع مضاعفات وتداعيات حرب العراق.
ويتحول هذا القلق إلى ما يشبه الرعب في بعض أوساط الأوروبيين في غياب المعلومات الدقيقة عن أعداد العرب والمسلمين هناك, فتقول بعض التقارير تقارير أنهم لا يتجاوزوا المليونين ونصف, وأخرى تقول إن عدد المهاجرين من المغرب العربي وحده يصل إلى ما يقارب 3 ملايين. بل وتوجد إحصاءات تقول إن عدد المسلمين في أوروبا أكثرمن 14 مليونا.
ولأن أسبانيا واحدة من أهم بوابات الهجرة غير الشرعية, فالاتحاد الأوروبي يساعدها مالياً كي تواجه تلك الظاهرة, وتأخذ برشلونة 300 يورو عن ل فرد تعيده إلى السلطات المغربية بعذ ضبطه متسللا إلى أوروبا.
وفي محاولة للحد من الهجرة, تم عقد قمة إيطالية –ليبية بين برلسكوني رئيس الوزراء الإيطالي والزعيم الليبي معمر القذافي خلال سبتمبر الماضي، أسفرت عن إتفاق تتم من خلاله عملية مراقبة مكثفة لمنع العمال المهاجرين من أفريقيا بالوصول الى إيطاليا وغيرها من الدول الأوروبية واكبه عمليات حرق لمخيمات العمال المهاجرين على الأرض الإيطالية، تمت بواسطة المجموعات اليمينية الفاشية في إيطاليا .
كما عقدت قمة إسبانية – مغربية في مدينة إشبيلية بمحافظة الأندلس جنوبي إسبانيا بين رئيسا الوزراء الإسباني خوسيه لويس ثاباتيرو والمغربي إدريس جطو حيث طغت على محادثات هذه القمة الأحداث التي وقعت في منطقتي سبتة ومليلة أسفرت عن وضع برامج للتعاون المشترك لمقاومة هذه الهجرة "غير شرعية" ، مع تعهد إسباني بنقل هذه المجموعة الكبيرة من العمال المهاجرين (أكثر من 1000) الى الأرض الأسبانية والتصرف معهم هناك ،وإصدار قرارات إبعاد لهم .
وتخشى أوروبا من المهاجرين رغم حاجتها إليهم، مما دفعها إلى انتقائية واضحة في التعامل مع الأعراق التي تنتسب تاريخيًّا إلى الإسلام، مثل الأتراك والألبان، فعلى سبيل المثال اليونان لا تمنح تأشيرة دخول للألبان المسلمين إلا بعد تغيير أسمائهم، وهكذا يفعل الايطاليون الذين يفضلون مهاجرين من الكاثوليك من ألبانيا ومقدونيا وكرواتيا وسلوفينيا والبوسنة، وأوروبا رغم أنها مكوَّنة من مزيج عرقي متباين، إلا أن المعاملة الخشنة لا تظهر إلا مع المهاجرين المسلمين.
ومن أكثر البلدان إقبالا على الهجرة -بعد المغرب- الصومال, حيث ذكر تقرير للأمم المتحدة أن الآباء اليائسين في الصومال يدفعون للمهربين 10.000 دولار لإخراج أبنائهم من البلاد. وأنه كان يتم إرسال حوالي 250 طفلا شهريا في السنوات الأخيرة للخارج ، ينقل غالبيتهم للدول الأوروبية .
ومن جانب آخر, تعوّد رجال الشرطة المغاربة والأسبان انتشال الجثث التي يلفظها البحر، وهي لرجال من العابرين رموا بأنفسهم في الماء ذعراً لدى اقتراب زوارق المراقبة. ففي 2000 انتشل الجانب الاسباني 72 جثة فيما تحدث الناجون عن 271 حالة وفاة.
كما تنشط مكاتب تهريب البشر في لبنان تحديدا في مناطق الجنوب والبقاع والشمال اللبناني المحروم، وتقوم تجارتها على التغرير بالشباب اللبناني العاطل عن العمل والمعرض للموت بسبب النزاعات والحروب, وأبرز مكتب للتهريب في مدينة صور الجنوبية ويتقاضى هذا المكتب 5آلاف دولار على الشخص الواحد.
ومع
التطورات الأخيرة وموجات المهاجرين كان على الحكومات الأوروبية إعادة التفكير في سياسة مشتركة من شانها المساعدة على التصدي لظاهرة الهجرة غير الشرعية ووقف تدفق المهاجرين من الدول الفقيرة.
ويعتقد الخبراء بان الدول الغربية تتحمل مسؤولية أخلاقية وتاريخية تجاه الدول الفقيرة عموما والقارة الأفريقية بوجه خاص فيما يتعلق بالمساعدة في تنميتها ودعم الأمن والاستقرار فيها. ويرى مانفيلي رامفيلي المسؤول السابق بالبنك الدولي أن إعفاء الديون وسياسات التجارة الأكثر عدالة ستجعل البقاء في الأوطان أكثر جاذبية من الهجرة وبالتالي فلن يحتاج الناس "للقفز في البحر المتوسط بحثا عن فرصة عمل أفضل".
وقال الوزير الفرنسي السابق برنار كوشنير أن "500 ألف مهاجر غير شرعي يعبرون كل سنة الحدود الأوروبية, معتبرا إن غلق حدود أوروبا سيعتبر إسهاما في تعزيز التطرف الديني وعواقبه الخطيرة, وأن الأمر الوحيد الذي سيمنع أي عامل من الهجرة هو أن نوفر له مستقبلا في بلده. ولذلك فان المهمة الأولى للدول المتقدمة هي تنمية أفريقيا, وليس الاختباء وراء حدود وهمية.
وعلى صعيد آخر, أصبحت ظاهرة هجرة العقول العربية إلى الخارج خاصة الولايات المتحدة وكندا وبعض الدول الأوروبية تشكل هاجساً مخيفاً للحكومات والمنظمات على حد سواء، وقدرت التقارير ان تلك الهجرة التي تكاد لا تتوقف تتسبب في خسائر مالية تتجاوز 200 مليار دولار.
يقدر الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء المصريين المتميزين من العقول والكفاءات التي هاجرت للخارج بـ 824 ألفاً من بينهم نحو 2500 عالم وتشير الإحصاءات إلى أن مصر قدمت نحو 60% من العلماء العرب والمهندسين إلى الولايات المتحدة الأميركية، وان مساهمة كل من العراق ولبنان بلغت 10% بينما كان نصيب كل من سوريا والأردن وفلسطين نحو 5%.
وتشير إحصاءات جامعة الدول العربية ومنظمة العمل العربية وبعض المنظمات المهتمة بهذه الظاهرة إلى أن 50% من الأطباء، 23%من المهندسين، 15% من العلماء من مجموع الكفاءات العربية يهاجرون متوجهين إلى أوروبا والولايات المتحدة وكندا بوجه خاص وأن 54% من الطلاب العرب الذين يدرسون بالخارج لا يعودون إلى بلدانهم.